ما بين النخيل

by muhammad ayman

“الساعة السادسة صباحاً منذ ستة أشهر بالضبط”
يرن هاتفي ليوقظني من نومي أو الأصح من غفلتي لساعتين بعد سهري لمراجعة ما ذاكرته طوال الليل في قاعة الإستراحة بالفندق الذي نزلته حينئذ بعد أن إكتفيت من أكواب القهوة التي مازالت لا تجدي ولا تنفع مع جهازي العصبي;فأغلقه قبل أن أزعج من يزال نائماً بالغرف المجاورة برنينه الذي لا يشبه إلا مسار طبعي المتقلب.أفتح عينيّ  وأتذكر ذلك اليوم الذي قضى من أسبوعين  حين أوقظني صديقي السويسري ليخبرني أنه ذاهب لمحطة القطار ليكمل رحلته حول بلاد أوروبا و يسألني مازحاً ما إذا مازلتُ مصراً على اللحاق بالامتحان الكتابي الأول لي ثم يتمنى لي الحظ وأودعه , فأبتسم آملاً أن تسعدني نتيجة ما إجتهدت من أجله أكثر من سنة ونصف و أسرع للجامعة فقد حفظت الطريق من أخر مرة زرت بها “فرانكفورت” ولا أحتاج لإستهلاك ما تبقى في بطارية هاتفي لكي أستدل على الطريق كما فعلت قبلاً.
كان اليوم جميلاً بصورة أحدثت في عقلي الكثير من التفكير ;فاليوم سيتحدد كل شيء , هل سأنجح؟ لا أعلم لماذا لم أبالي ولم يرتابني الرعب حينها,بالرغم من كونه ربما أصعب وأهم إختبار لي في حياتي حتى الأن إلا أني أكملت طريقي ووصلت الجامعة وأديت الإمتحان بحمد الله .
“الساعة التاسعة والنصف لنفس الصباح”
يرد أبي على الهاتف من أول إتصال -لا أعلم كيف كان يقظاً حينها-فأبادره الحديث فرحاً متحمساً لأخبره ما أخبرني به الممتحنين الذين أديت معهم الإمتحان الشفهي من كوني جدير بتخطي الخطوة الأخيرة للحاق بالجامعة وأن علي الإنتظار لحين وصول الشهادة بالمنزل,وأضيف أني سأحاول التنزه لحين وصول الحافلة التي ستقلني في طريق العودة ل”جوتنجن” في المساء ,ثم أوصيه إعلام أمي الأن لأنها كادت أن تربكني نفسي بعد قلقها من نتيجة الإمتحان طوال الليل.
“الساعة العاشرة”
أقف أمام حديقة النخيل التي تقع بالصدفة البحتة أمام الجامعة ولتكن المرة الأولى التي أراها على حقيقتها بعد أن سمعت عنها لسنوات عدة .المشكلة وقعت في أني لا أعلم ما إذا كانت مفتوحة في ذلك الوقت البكير وذلك اليوم الأول في العطلة الأسبوعية ثم أتت مشكلة البحث عن مدخلها .بعد السؤال وصلت وتخطيت حاجز التذاكر لكوني طالب بعد حوار مع عاملة عراقية تعرفت عليها بينما أدفع للحصول على تذكرة , سلمت عليها لأبدأ رحلتي في هذه الحديقة التي لا أرى لها نهاية ;باحثاً في الخريطة التي إستلمتها من موظف التذاكر الذي ظل يحدق ضاحكاً جهله بالعربية بينما أحكي مع تلك المرأة الطيبة.
أين إذن البداية ؟ هل أبدأ بالبحيرة أم بالمتحف أم بالقطار الداخلي أم بالذهاب للمقهى أم بالتنزه بين الحديقة نفسها ؟
وبينما يتملكني التفكير أرى فوجاً من السياح الأمريكيين الذين بدا عليهم أهتمامهم العلمي بأسماء وأصول النباتات في طريقه للمتحف , للمتحف إذا !
لم يخلق الله نباتاً خلاباً إلا وقد وضع في مكانه في المتحف الممتدة مساحته أكثر من ثلاثة فدادين ونصف فدان, كل شيء في موضعه , سنة إكتشافه,أصله ومكان وزمان زراعته على كوكبنا هذا ,بجانب اسمه العلمي وعائلته اللذان ذكراني بمادة العقاقير-رحمني الله منها-التي كنت أدرسها شهرين قبل ذلك الوقت.
وبعد تقريبا ساعة من اللف والاستراحة أكملت جولتي في المتحف بعد رؤيتي لمسقط الماء الأخير بجانب النباتات البركانية, لأخرج لأجد الظهر قد أتى وقته وعلي الذهاب.
إسترحت مجدداً في أحدى المناطق التي تقرب البحيرة ثم بدأت مرة أخرى في الصعود والنزول داخل الكهف الذي يعلوه الشلال الذي يصب بها , لأقف للحظة لأسأل نفسي ذات السؤال التعجبي الذي أتسائله دائماً , يا لها من نزهة رائعة وحدي ,كل شيء أفكر وأراه وأستمتع به وحدي , لا أبادل أحداً الحديث عن أي شيء,لا أحد يعكر صفو تفكيري الحر بأية طريقة,تلك الأراء المختلطة بالإحساسات التي تقرب في تعريفها عندي السكينة التي يبحث عنها الكل ولكن,هل كان ليصبح للوقت أفضل وأكثر قيمة إذا شاركته مع أحدهم , هل السكينة حقاً مستحيلة الوصول إلينا في عالمنا هذا وما علينا إلا الإنتظار ؟ لا أحد يرد كالعادة , وإذا فعل أحدهم ,كان حسين-الصوت الخفي في مؤخرة رأسي-يأمرني بإكمال المضي قدما .
على جسر البحيرة وقفت أصور وأصور , الأسماك التي تعودت على زوار معهم ما يطعمونهم به , حتى أن المشاهد البعيد بإمكانه رؤية رؤوس الأسماك كبيرة الحجم تعلو سطح البحيرة تطلب ولا تكف عن الطلب.
بينما البط والبجع و الإوز يسير في تجمعات مثلثة الأشكال باعثة البهجة في أعين الناظرين و الراكبين للقوارب المأجورة بالبحيرة.
بعد الغداء ذهبت للبحيرة مرة أخرى ولكن هذه المرة جلست على مقعد يطل على الناحية الخلفية لها , أخرجت من حقيبة كتفي رواية سالينجر “الحارس في حقول الشوفان”-لا أعلم ما إذا ترجمت أسمها صحيحاً-فأنا لا أسافر إلا وبصحبتي ما أقرأه سواء كتاب أو مجلة-غالبا ستكون سبيكتروم العلمية-, المهم أني أردت حقاً المطالعة ولكن عقلي لم يرد ;والتفسير الوحيد لهذه المعضلة المستمرة الحدوث أني إذا ما قرأت ,سآكل هذه الصفحات القصيرة أكلاً ,فأنا أقرأ أكثر من 50 صفحة في مرة واحدة أو لا شيء لأيام أو أسابيع عدة أحياناً,ويبدو أن الحال الثاني هو من تملكني أنذاك.
ساعات قليلة مضت وأنا أستمتع بالتنزه حتى هطل المطر وذكرني بما ذكرني  حتى فقت من حلم اليقظة هذا لأدرك أن الغروب قرب ويجب علي العودة لركوب القطار كآخر محطة قبل مغادرة الحديقة و العودة لمحطة الحافلات , ولكن أثناء خروجي وجدت متحفا آخر لم أراه على الخريطة وكان به كهفاً أخر ولكن هذه المرة كان به مقاعد لمشاهدة أحواض عديدة ممتلئة بأنواع من الأسماك لم أعلم بوجودها حتى ذلك الوقت , ولحبي لما خلق الله ما يعيش تحت الماء جلست لفترة ليست وجيزة ولم أفقد تركيزي عن بعض الأسماك التي تجري خلف الأخرى ,تلعب وتلعب ولا تعلم ما يدور في عالمنا هذا ,حتى حل الظلام ورحلت أخيرا .
لم أرد إضافة الصور بين الكلمات حتى لا أفسد خيال القارئ , هذا إن كان هناك .12026590_10204871061891425_1778532896_n11100957_10204871053611218_1745575816_n12834659_10204871052131181_1501483391_n12834924_10204871052731196_292273631_n12516410_10204871052291185_1279663640_n12721605_10204871052571192_227487410_n12498484_10204871052171182_1147147014_n11940416_10204871052651194_1793837966_n1932115_10204871052051179_831592469_n12476555_10204871052891200_78796898_n12476692_10204871053691220_1310699174_o12784456_10204871053331211_2087013905_n12071741_10204871052211183_1465490132_n12048718_10204871052091180_2087082303_n10423523_10204871053371212_2052181754_n

Advertisements